الغزالي

184

إحياء علوم الدين

من الصفات ، لا سبيل إلى اكتسابه إلا بالتكلف والتصنع أولا ، ثم يصير بالعادة طبعا وهو المراد بقول بعضهم . العادة طبيعة خامسة ، فكذلك الأحوال الشريفة لا ينبغي أن يقع اليأس منها عند فقدها ، بل ينبغي أن يتكلف اجتلابها بالسماع وغيره ، فلقد شوهد في العادات من اشتهى أن يعشق شخصا ولم يكن يعشقه ، فلم يزل يردد ذكره على نفسه ويديم النظر إليه ، ويقرر على نفسه الأوصاف المحبوبة ، والأخلاق المحمودة فيه حتى عشقه ورسخ ذلك في قلبه رسوخا خرج عن حد اختياره فاشتهى بعد ذلك الخلاص منه فلم يتخلص ، فكذلك حب الله تعالى والشوق إلى لقائه ، والخوف من سخطه ، وغير ذلك من الأحوال الشريفة ، إذا فقدها الإنسان فينبغي أن يتكلف اجتلابها بمجالسة الموصوفين بها ومشاهدة أحوالهم ، وتحسين صفاتهم في النفس ، وبالجلوس معهم في السماع ، وبالدعاء والتضرع إلى الله تعالى ، في أن يرزقه تلك الحالة بأن ييسر له أسبابها ، ومن أسبابها السماع ، ومجالسة الصالحين ، والخائفين ، والمحسنين ، والمشتاقين ، والخاشعين ، فمن جالس شخصا سرت إليه صفاته من حيث لا يدرى ، ويدل على إمكان تحصيل الحب وغيره من الأحوال بالأسباب ، قول رسول الله صلَّى الله عليه وسلم [ 1 ] في دعائه « اللَّهمّ ارزقني حبّك وحبّ من أحبّك وحبّ من يقرّ بني إلى حبّك » فقد فزع عليه السلام إلى الدعاء في طلب الحب فهذا بيان انقسام الوجد إلى مكاشفات ، وإلى أحوال ، وانقسامه إلى ما يمكن الإفصاح عنه ، وإلى ما لا يمكن ، وانقسامه إلى المتكلف ، وإلى المطبوع فإن قلت : فما بال هؤلاء لا يظهر وجدهم عند سماع القرءان ، وهو كلام الله ، ويظهر عند الغناء ، وهو كلام الشعراء ، فلو كان ذلك حقا من لطف الله تعالى ، ولم يكن باطلا من غرور الشيطان ، لكان القرءان أولى به من الغناء فنقول : الوجد الحق هو ما ينشأ من فرط حب الله تعالى : وصدق إرادته ، والشوق إلى لقائه وذلك يهيج بسماع القرءان أيضا وإنما الذي لا يهيج بسماع القرءان حب الخلق وعشق المخلوق